يوسف المرعشلي
194
نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر
ففعلت ، ثم أمرها أن تخرج وتسير وراءه حتى أوصلها إلى بيتها ، فما إن دخلت واستقرت عند أهلها حتى انتشر صراخهم وبكاؤهم عليها » . وخرج الشيخ أحمد مرة في نزهة مع أصحابه إلى جبل الأربعين ، وكان مع الصحب السيد محمد المكي الكتاني ، وفي أثناء النزهة قال الشيخ أحمد للسيد محمد المكي : أتأذن لي أن أدخن سيجارة ، فأنكر عليه السيد قائلا : إن الدخان حرام ، فأخرج الشيخ أحمد من جيبه كتاب الشيخ عبد الغني النابلسي « خمرة الحان في إباحة الدخان » وقال له : انظر . فأمسك السيد الكتاب ورمى به بعيدا ، فتكدّر الشيخ أحمد وترك الجماعة وانطلق حتى وصل إلى قبر الشيخ عبد الغني النابلسي وخاطب صاحبه قائلا : إما أن تدافع عن كلامك ، وإما أن أحضر فأسا فأهدهم لك قبرك . قال رواة الخبر : فلما عاد السيد إلى بيته ، ودخل غرفته ، وجد الدخان يملأ جوها ، وجعل هو وأهله كلما دخلوا حجرة لفتهم سحائب الدخان حتى أتعبه ذلك ، فشكا إلى الشيخ توفيق الأيوبي الذي قال له : لا مناص لك من مصالحة الشيخ أحمد ، وأنا أدعوكما عندي على طعام ، ثم اصطلحا وتبدّد الدخان . وكان عنده سخاء وكرم ، يؤوي الغريب ، ويطعم الجائع والبائس ، ويعطي المحتاج ، يتفقّد الأسر المستورة ، يعطي عطاء من لا يخشى الفقر ، فلا يمسك مالا البتة حتى ليستوي عنده الذهب والتراب ، ومن قصصه في ذلك ما رواه الأستاذ واصل الحلواني قال : « ذهبت مرة لزيارته ، وقرعت الباب منتظرا ، فأتى طحان يحمل على دابته للشيخ كيسين من الدقيق ، وجاء رجل بائس فقير فوقف بعد أن سلّم وقفة ذل واستحياء ، وفتح الشيخ الباب ، فقبّلنا يده ، وضغط على يدنا ليقبلها ، وكانت هذه من عاداته ، وكان يقول : واحدة بواحدة ، حتى هذا الفقير لم يسلم من أخذ يده ليردّ إليه الشيخ قبلته حتى تكون واحدة بواحدة ، ثم سأل الرجل المذكور : ماذا تريد يا بني ؟ فأطرق ونظر إلى الأرض ، ثم سأله ثانية ، فقرب نحوه الرجل وهمس في أذنه كلمات ، فقال الشيخ للطحان : اصحبه إلى داره وأعطه الطحنة » . جاءه من مدينة جدّة ( شك ) بمبلغ ستة عشر ألف ليرة أو ستة وعشرين أهداه إياه أحد الكرماء ، وحمله إليه الشيخ أبو راتب الشلاح ، فلم يتسلمه منه ، وأمر به فاشترى دارا في المهاجرين لرجل كان والده المتوفّى صديقا له ، وهو ذو عيال يعجز عن دفع أجرة بيته ، ولما قصّر المبلغ عن شراء الدار سعى فأكمله له . بسيط المعيشة ، يكتفي بالبسيط من الثياب والطعام والعيش الكفاف ، ومات لا يملك سوى الدار التي هو فيها ، اشتراها من إرث والده ، ومن جهد عمله خلال عشرات السنين . وقد وصفوا داره بأنها مستشفى لأمراض النفس والقلب والجسم . توفي ليلة الجمعة 19 جمادى الأولى سنة 1382 ه ، وخرجت جنازته مهيبة حافلة جدا ، ودفن بجوار قبر الشيخ أرسلان الدمشقي بناء على وصيته ، وقد تمنى جوار الشيخ أرسلان كبار الصلحاء فلم ينالوه . أحمد بن محمد القادري « * » ( 000 - 1349 ه ) أحمد ابن الشيخ محمد - فتحا - ابن الشيخ قاسم بن محمد بن عبد الحفيظ بن هاشم القادري الحسني ، العلامة المشارك المدرس النفّاع المشتغل بعمله ودينه ونفسه ، الوليّ الصالح . كان هيّنا ليّنا متواضعا قليل الكلام ، من الذين يمشون على الأرض هونا لا يدعي بدعوى . كانت جلّ قراءته على والده وهو عمدته وعنه تخرج ، وأخذ عن الشيخ أحمد بن محمد بن الخياط الزكاري ، وعن الشيخ محمد - فتحا - گنون ، وعلى الشيخ حميد بن محمد بناني ، وعلى الشيخ عبد السلام بن محمد بناني الطبيب ، وعن الشيخ عبد المالك العلوي الضرير وغيرهم من الأشياخ . قال ابن سودة : قرأت عليه بعضا من المختصر .
--> ( * ) انظر : « سلّ النصال » لابن سودة ، ص : 58 ، 59 .